لطالما كانت الصحة النفسية من المحرّمات الاجتماعية في مجتمعاتنا العربية. يُقال لمن يُعاني: “تقوّى”، أو “اتّكل على الله”، أو “هذا مجرد وساوس”. لكن الواقع اليوم يُحتّم علينا كسر هذا الصمت والحديث بصوت عالٍ عن صحتنا النفسية، لا بوصفها ترفاً أو ضعفاً، بل بوصفها حاجة إنسانية أساسية.
**الأرقام التي لا نريد أن نراها**
تُشير الدراسات إلى أن واحداً من كل أربعة أشخاص يعاني من اضطراب نفسي ما في مرحلة من مراحل حياته. القلق والاكتئاب يتصدران القائمة، لا سيما في أعقاب جائحة كوفيد-19 التي أحدثت اضطرابات عميقة في الأنماط النفسية والاجتماعية على مستوى العالم.
في السياق التونسي، يُضاف إلى ذلك عبء الأزمة الاقتصادية وضغوط البطالة وغياب الاستقرار، وهي كلها عوامل تزيد من الحمل النفسي على الفرد دون أن يجد في محيطه الاجتماعي دائماً الدعم الكافي.
**لماذا نتهرب من طلب المساعدة؟**
الوصمة الاجتماعية هي العائق الأول. زيارة طبيب نفسي لا تزال تُقابَل في كثير من الأوساط بنظرات الشفقة أو التعجب. “إيش بيك؟ مجنون؟” — هذه الجملة التي يسمعها كثيرون ترسم الخط الفاصل الزائف بين “الأصحاء” و”المرضى”، وتحول دون البحث عن مساعدة حقيقية.
إلى جانب الوصمة، ثمة عائق الوصول: المختصون النفسيون ليسوا في متناول الجميع مادياً ولا جغرافياً في تونس، وهو ما يجعل كثيرين يُؤجّلون طلب المساعدة حتى تستفحل الأمور.
**خطوات عملية نحو صحة نفسية أفضل**
لا يعني الاهتمام بالصحة النفسية بالضرورة زيارة عيادة مختص، وإن كان ذلك مُستحسَناً حين تستدعي الحاجة. ثمة خطوات يومية بسيطة يمكن أن تُحدث فارقاً حقيقياً: النوم المنتظم، والنشاط البدني الاعتيادي، وتحديد أوقات “بعيداً عن الشاشات”، وصيانة العلاقات الإنسانية العميقة.
كذلك يُساعد كثيراً تطوير القدرة على التعبير عن المشاعر بدلاً من كبتها. الكتابة اليومية، ومشاركة ما نشعر به مع شخص موثوق، وتعلّم تقنيات التنفس والتأمل — كلها أدوات فعّالة وفي متناول الجميع.
**تغيير الثقافة: مسؤولية جماعية**
التغيير الحقيقي لن يأتي من الأفراد وحدهم. المجتمع بأسره — من المؤسسات التعليمية إلى وسائل الإعلام إلى الأسرة — مدعوّ إلى إعادة النظر في طريقة تعاطيه مع الصحة النفسية. حين يُصبح الحديث عن القلق أو الاكتئاب طبيعياً كالحديث عن أي مرض جسدي آخر، حينها فقط سيكسر الناس قيود الصمت ويبحثون عن المساعدة التي يحتاجونها.